قرآن

مكتبة الدكتور
News image
News image
بحث

PostHeaderIcon حول الدكتور

PostHeaderIcon القرآن شريعة كونية

الدكتور محمد جميل الحبّال :
نبدأ من الحجر الأسود في طوافنا وفي كل شوط نسلِّم على الحجر الأسود ونحاول أن نستلمه أو نقبله إن استطعنا أو الإشارة بالسلام عليه والدعاء (بسم الله والله أكبر) عند الوصول إليه في كل دورة من دورات الطواف السبع… ولماذا سبعة أشواط سواءً كان حجاً أو عمرةً أو نافلة؟

وللإجابة على هذه التساؤلات نقول وبالله التوفيق…إن إتباع هذه المناسك وتطبيقها هو عبادة والتزام وإقتداء بأفعال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بغض النظر عن كل شيء فهذه أمور موقوفة ونحن كوننا مسلمين لذا وجب علينا أن نكون خاضعين ومنقادين لأوامر الله عز وجل في قرآنه وأوامر رسوله الكريم في سنته لقوله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم وصلوا كما رأيتموني أُصلي)[1]، كالجندي الذي لا يعصي أمراً لقيادته إذا أراد النجاح والفوز بالمعركة فعليه أن يطبق التعليمات والأوامر التي تصدر منها. ولكن…نحن على يقين أن وراء هذه الأوامر الإلهية حكمة وفائدة لنا قد نعرفها أو لا نعرفها لأن الباري عز وجل الذي خلقنا وصوّرنا هو أعلم وأرحم بنا من أنفسنا قال تعالى: ((أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ))[2] . فعندما يأمرنا بشيء فهو متناسق مع فطرتنا وخلقنا ومع الكون من حولنا ولمصلحتنا.

أن الباري عز وجل غني عن العالمين ولا حاجة له بطاعتنا أو عبادتنا له وإنما الأمر يعود لنا ولمصلحتنا كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيء…)[3] فإذاً لابد أن يكون هناك في هذه العبادات أسراراً ومنافعاً تعود بالخير والفائدة للفرد والمجتمع ولا بأس من التعرف على هذه الحكم والفوائد والإشارات التوافقية الموجودة فيها مع الكون والإنسان والحياة، حيث إن الإسلام شريعة كونية إضافة لكونه منهاجاً كاملاً للحياة:

1- فبالنسبة للتوجه إلى مكة المكرمة والتي في وسطها الكعبة المشرفة والمسجد الحرام: فإن الله سبحانه وتعالى يقول (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)[4]. لقد أثبتت الدراسات المتعددة ومنها دراسة الدكتور حسين كمال الدين رئيس قسم هندسة المساحة في جامعة الرياض أن (مكة المكرمة) هي مركز اليابسة على سطح الكرة الأرضية وهي تقع في المركز.

وكذلك قام الأستاذ الدكتور روبرت كولمان[5] من جامعة ستانفورد في أمريكا بدراسة مركز جذب الأرض والتقاء الإشعاعات الكونية للجاذبية على سطح الأرض (مركز التجمع الإشعاعي للتجاذب المغناطيسي) فوجدها تلتقي في نقطة على سطح الأرض (والتي تمثل مركز جذب الأرض في مركزها) وعندما أراد معرفة الموقع الجغرافي لهذه المنطقة وجد أنها (مكة المكرمة)!. فإذن مكة المكرمة التي في وسطها المسجد الحرام والكعبة المشرفة هي مركز القارات السبع (اليابسة) أولاً وكذلك نقطة التقاء وتجمع الأشعة التجاذبية المغناطيسية ثانياً، لذلك وصفها الباري عز وجل في محكم كتابه بأنها (أم القرى) وأم الشيء هو وسطه وقلبه وأساسه وذلك في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ))[6] وهكذا اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون الكعبة المشرفة في المسجد الحرام (أول بيت وضع للناس) وأن تكون قبلة المسلمين في كل مكان ولذلك أطلق عليها القرآن الكريم (أم القرى) ووصف الأمة الإسلامية (بالأمة الوسط) في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ))[7] ومن معاني ذلك الكثيرة أن أمة الإسلام الوسط (وسط في كل شيء) تتجه إلى (أم القرى) التي هي وسط ومركز اليابسة الأرض وهي مركز الجذب الروحي كما هي مركز تجمع الأشعة المغناطيسية للجاذبية الأرضية فهي أمة التوحيد والتوحد .

2- وبالنسبة للطواف حول الكعبة عكس اتجاه عقرب الساعة: ففيه إشارة واتفاق لحركة الكون جميعاً، حيث أن الكون من الذرة إلى المجرة يدور بهذا الاتجاه. والدوران ظاهرة كونية تشمل كل شيء، فالإلكترون يدور حول النواة والأقمار تدور حول كواكبها والكواكب تدور حول شموسها والشموس والنجوم تدور حول مركز مجرّاتها والطاقة تدور في مساراتها وكلها تدور باتجاه واحد (عكس عقارب الساعة) كما يطوف الحجيج حول الكعبة (وذلك في حالة النظر إليها بصورة أفقية كما في حالة الطواف حول الكعبة) إنها رمز للظاهرة التي فطر الله عليها الكون كلّه والطواف سنة الله الواحد الأحد في هذا الكون ((لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ))[8] وقال تعالى: ((كل يجري لأجل مسمى))[9] .

3- وبالنسبة للدوران حول الحجر الأسود الذي هو في أحد أركان الكعبة الأربع: فهذا قد يكون (والله أعلم) إشارة إلى الثقب الأسود (Black Hole) فإن كل مجرة من المجرات الموجودة في الكون المعروف منها لحد الآن أكثر من 130 مليار مجرة (تحتوي كل مجرة على نحو من مائة مليار نجم كمجرتنا درب التبّانة) تدور حول مركز معين وُجِد أن فيه هذا الثقب الأسود الفائق الكثافة بحيث أن كثافته تبتلع الضوء والمجرات القريبة (فلو فرضنا أن الكرة الأرضية أصبحت ثقباً أسوداً فإن كتلتها ستكون بحجم كرة المضرب (البنك بونك) فتصور عظم الكثافة والوزن لهذه الكرة الصغيرة) ويُمسك كواكب ونجوم مجرته للدوران حوله ويمنعها من التفلّت ((وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ))[10] وكذلك يمنعها من الاصطدام ببعضها في حركة تناسقية منتظمة، وهكذا جموع الحجيج من كل بقاع الأرض تطوف حول الكعبة التي فيها الحجر الأسود في حركة تناسقية توافقية رائعة متناغمة فيا عظمة الخالق المدبّر.

إن هذه الكواكب والمجموعات الشمسية في المجرات والتي تدور حوله ولا تصطدم ببعضها إنما يأتي دورانها متوافقاً ومتناسقاً مع قوله تعالى: ((لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ))[11] أي لا تلتقي أو تصطدم مع بعضها وفيه كناية بالخاص (الشمس والقمر) يراد به العام (جميع الشموس والكواكب والأقمار …الخ). فكذلك الحجيج في الطواف فإنهم يبدؤون بالحجر الأسود ويطوفون حوله ويسلمون عليه في كل شوط من أشواط الطواف في نظام وتناسق بديعين وكأن هذا الحجر الأسود هو الذي يضبط هذا الإيقاع في طواف الحجيج حول الكعبة المشرفة ويجذبهم نحوها ويمنعهم من التفلت والتيه والاضطراب في هذه الحياة، كما يضبط الثقب الأسود في مركز المجرات حركة ودوران المجموعة الشمسية والكواكب وغيرهما وهي تسير في سرعات متناهية وذات كتل هائلة تساعدها على التفلت من خط سيرها الدقيق في القوى الطاردة عن المركز ولكن بواسطة قوة الجذب الهائلة للثقوب السوداء فإنها تبقى ملتزمة بخط سيرها لا تحيد ولا تميد في نظام دقيق ثابت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وفي ذلك مغزى عظيم للمسلمين بأن تكون حياتهم مرتبطة بدينهم ويلتزمون بالنظام في جميع أعمالهم!.

4- لماذا نقبل الحجر الأسود؟: وهو حجر لا يضر ولا ينفع كما قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما خاطبه بقوله: (إنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنني رأيت رسول الله يقبلك ما قبّلتك)[12] ولعلّ الحكمة في هذا التقبيل تكمن في ذلك الاتصال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته، فهو اتصال من نوع خاص، اتصال عاطفي وروحي وقلبي وكياني وكأنه عليه الصلة والسلام قبَّلَ الحجر الأسود ليكون هذا بمثابة الاتصال المادي والحسي بينه وبين أمته، أليس هو القائل: (وددت لو أني رأيت أحبابي) وفي هذا روى بعض المستشرقين وأعداء الدين الذين يعدون أن تقبيل الحجر الأسود من بقايا الوثنية في الإسلام وهم لا يعلمون الحكمة من ذلك وهي حب النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأحبابه الذين لم يراهم ولم يروه وآمنوا به والذين سيأتون من بعده كما أسلفنا لقوله: (طوبى لمن رآني وآمن بي ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني)[13] وقوله صلى الله عليه وسلم: (وددت لو رأيت إخواني قالوا أولسنا إخوانك يا رسول الله قال لا أنتم أصحابي ولكن إخواني الذين يأتون من بعدي ويؤمنون بي ولم يروني)[14] فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يرون الرسول صلى الله عليه وسلم ويصافحوه ويعانقوه ويسمعون الوحي المنَزّل عليه من فمه الشريف، وهذا ما جعلهم من أفضل الناس كجيل فريد متميز أما المؤمنون من بعدهم فهم لم يواكبوا هذه الأحداث الملموسة وآمنوا بها بالرغم من عدم رؤيتهم لها فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يطبع على جبين كل واحد منهم بمثابة وسام تكريم لهم على إيمانهم ومحبتهم لهذا الدين من خلال تقبيله الحجر الأسود، فكأنما صار هذا الحجر الواسطة بينهم لنقل هذه المشاعر وتقليدهم هذا الوسام الرفيع.

5- لماذا الطواف في الكعبة سبعة أشواط؟: فإن الكون بما فيه الإنسان تحكمه وتسيره قوانين ونظم دقيقة وبتقدير محكم من رب العالمين قال تعالى في أول سورة الفرقان: ((وخلق كلّ شيء فقدّره تقديرا)) وكذلك جميع المخلوقات والأحياء بما فيها الإنسان كما في قوله سبحانه وتعالى في سورة التغابن: ((خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ))[15] وقوله في سورة الذاريات: ((وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ))[16] ولمّا كان القرآن الكريم هو منهاج الكون والحياة وهو كلام رب العالمين الأزلي والكون هو من خلق رب العالمين فلأن مصدرهما واحد فلابد أن تربط بينهما قوانين ونظم واحدة، خاصّة أن القرآن هو السابق والكون هو اللاحق ومن إحدى هذه المنظومات أو القوانين هو النظام السباعي (والله أعلم) فالسماوات السبع والأرضين السبع وطبقات الجو (الغلاف الجوي) سبع وطبقات الأرض سبع والطيف الشمسي سبعة ألوان ومدارات الذرة سبعة (وهي التي تدور بها الإلكترونات حول النواة) وعدد أيام الأسبوع سبعة وغيرها كثير. وفي القرآن الكريم هذا الكتاب المعجز تحكمه في ترتيب آياته وسوره وكلماته وأحرفه هذه الظاهرة (المنظومة السباعية) استناداً لقول الله تعالى في سورة الحجر:(( وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ))[17] والسبع المثاني هي سورة الفاتحة التي تقوم على هذه القاعدة أيضاً وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنزل القرآن على سبعة أحرف) فإذاً لمّا كانت هذه القاعدة إحدى النظم التي خلق بموجبها الكون، بموجب المنهج القرآني كما قلنا سابقاً، فقد جاءت بعض العبادات متناسقة مع هذه الظاهرة والتي منها الطواف حول البيت سبعة أشواط [18] والله أعلم لتكون مثالاً على هذا التناسق البديع في خلق الكون والإنسان ولتكون هذه العبادات منسجمة مع فطرته ومع النواميس الكونية قال تعالى في سورة الروم: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ))[19] .صدق الله العظيم.


الهوامش
[1] رواه مسلم والنسائي. [2] سورة تبارك/14.
[3] رواه مسلم (حديث قدسي) .
[4] البقرة/144.
[5] Robert Colman – Stanford University –USA./مجلة علوم / العدد 68 /ص92/1992م.
[6] الشورى/7.
[7] البقرة/143.
[8] يس/40.
[9] الرعد/2. [10] يس/40.
[11] يس/40.

[12] أخرجه الجندي في فضائل مكة وأبو الحسن القطان في المطولات والحاكم والبيه قي في شعب الإيمان .
[13] أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه .
[14] رواه الإمام أحمد وأبو يعلى .
[15] التغابن/3.
[16] الذاريات/20-21.
[17] الحجر/87.

[18] قال ابن عباس (رضي الله عنهما) عندما سئل عن ليلة القدر: (إنّ الله تعالى وتر يحب الوتر فجعل أيام الدنيا تدور على سبع، وخلق الإنسان من سبع، وجعل فوقنا سنوات سبعاً وخلق تحتنا أرضين سبعاً وأعطى من المثاني سبعاً ونهى في كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع، وقسّم الميراث في كتابه على سبع ونقع في السجود من أجسادنا على سبع وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكعبة سبعا وبين الصفا والمروة سبعاً ورمى الجمار سبع لإقامة ذكر الله في كتابه فأراها في السبع الأواخر من شهر رمضان والله أعلم) قوله رضي الله عنه. كتاب الدر المنثور في التفسير المأثور للإمام السيوطي: 3/578.
[19] الروم/30

 

PostHeaderIcon القضاء في الأسلام

د. بشير خليل الحداد:
مقدمة:
من الخصائص التي تميز بها تشريع الأسلام عن كل المذاهب و المناهج البشرية ،شموليته و استيعابه للحياة كلها ،فأذا كانت العقائد و القوانين الوضعية تعنى بجانب أو جوانب محدودة من حياة الأنسان ، فأن الأسلام قد عني بالأنسان كاملاً – روحاً و جسداً – و بالحياة من كافة النواحي و الجوانب .
فألأسلام رسالة للأنسان و لحياته في كل المجالات و في كل ميادين النشاط البشري ، فلا يدع جانب من جوانب الحياة الأنسانية الآ كان له فيه موقف من أقرار او تعديل أو تكميل أو تبديل أو تقنين.
إن ألاسلام هو دين الحياة بكل ما في الكلمة معنى ، وليس فكرا مجرداً ، أو عقيدة من دون شريعة ، و انما هو في حقيقته عقيدة ينبثق منها تصور فكري و نظام متكامل للحياة .
و من ابرز النظم التي وضعها الأسلام لتنظيم حياة البشر نظام القضاء.

أهمية النظام القضائي و فضله:
خلق الله تعالى الأنسان مدنياً بطبعه، لا يمكن ان ينعزل عن العالم و يعيش فريداً وحيداً بعيداً عن بني جنسه ، فهو مجبول بفطرته و غريزته على معاشرة الناس و مخالطتهم و معاملتهم ومقايضتهم ، و مدفوع الى الدخول معهم في علاقات متعددة .و روابط مختبلفة ، وهو بذلك يسعى الى تحقيق مصالحه ، ويعمل على اشباع حاجاته و أستكمال رغباته ، و قد يضر بالآخرين و يعتدي على حقوقهم أثناء البحث عما ينفعه فينشأ نزاع بينه و بين الذين يتعامل معهم ، وينشب الصراع بين افراد الجماعة الواحدة .
فوجب ايجاد قواعد تشريعية الهية أو قوانين وضعية يلتزم بها الناس ، توضح لهم حقوقهم وترسم لهم حدودها وأطرها ، و تنظم لهم اشباع حاجاتهم و رغباتهم ، حتى تستقر احوال المجتمع و تستقيم اموره ، و لزم وجود طائفة تتولى هذه التشريعات و التقنينات و تسهر على صيانتها من العبث بها ، و حمايتها من الأعتداء أو الخروج عليها ، كي يسود النظام العام و يعمم السلام الأجتماعي بين البشر ، وتحتم ايجاد سلطة تكفل احترام التشريعات و التقنينات ، و تعمل على ازالة معوقات تنفيذها و منع معرقلات احترامها.(1)

و في الدولة الأسلامية فقد غدى العدل وظيفة رئيسية ، حيث به قامت السماوات و الأرض ، و القضاء هو الميزان الذي يتحقق به العدل ،و القسطاس هو الميزان الذي يتم به القسط ، و تحفظ به الحقوق و تصان به الأموال و ألاعراض و الدماء من الضياع و ألانتهاك و ألاهدار و القضاء يعتمد على مفهوم موحد بين الناس لمعنى الحق ، و من ثم فأنه لا يزدهر الآ بين الجماعات المتمدنة ،و لايرقى الا في المجتمعات التي بلغت في الحضارة مبلغاً عظيماً .

يقول قاضي القضاة (شهاب الدین ابو اسحاق بن عبدالله المعروف بأبن ابي الدم الحموي ت 642 هـ ) (( القيام بالقضاء بين الناس والأنتصار للمظلومين ،و قطع الخصومات الناشئة بين المتخاصمين من اركان الدين ، و هو اهم فروض الكفاية، فأذا قام به من يصلح له سقط الفرض فيه عن الباقيين ، و ان امتنع كل الصالحين له اثم جميعا )) (2)

و يؤكد ابو الحسن الأندلسي : ان خطة القضاء عند الفقهاء و المسلمين قاطبة من اسمى الخطط ، فأن الله تعالى قد رفع درجة الحكام و جعل اليهم تصريف امور الأنام ، اذا يحكمون في الدماء ،و ألأبضاع ، و الأموال ، و الحلال و الحرام ، و هذه خطة الأنبياء ، و من بعدهم الخلفاء فلا شرف في الدنياء بعد الخلافة أشرف من القضاء. (3)

و نقل عن الفقهاء ان التمادي في ترك اقامة قاضٍ في قطر من الأقطار معصية تعم اهله ،و ان البلد الذي لا حاكم فيه تجب الهجرة منه ، و انه لابد للناس من حاكم يأخذ على يد الظالم و المظلوم و ينصف الناس بعضهم من بعض .(4)
و قد اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقضاء ،و بلغ من اهتمامه به انه نص عليه في المعاهدة التي عقدها بين المسلمين و اليهود و المشركين في المدينة بعد الهجرة ،و تاسيس الدولة الأسلامية ،اذا جاء فيها : وانه ماكان بين اهل الصحيفة من حدث او شجار يخاف فاسده ، فأن مردّه الا الله عز وجل ، و الا محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم (5)

و اذا كان الله تعالى قد امر الحكام في القرآن الكريم بأن يحكموا بين الناس بالعدل ، و اكد النبي صلى الله عليه و سلم في سنة الشريفة هذا المعنى ، و اجمعت الأئمة عليه ، فأن كيفية الوصول الى هذه الغاية متروكة للمسلمين حسب الزمان و المكان فلهم ان يختاروا ما يشائون من الأشكال و الأجراءات التي تصاحب الأعمال القضائية ، و ان يضعوا القواعد المنظمة لها و تخصيصها ،و ترتيب درجاتها و تحديد مواعيد سماع الدعوى و الطعن في الأحكام القضائية .فالشريعة ألأسلامية لا تعارض اي تنظيم للقضاء الشرعي تقتضي الضروريات العملية ،و يتمشى مع التشريعات الحديثة بل تحض عليه مادام يحقق العدالة ، و يوصل الى الحكم بالقسط بين الناس (6)

ومن اجل هذا نظمت الدولة الأسلامية القضاء احسن تنظيم و سبقت في هذا المجال كل الأنظمة المستحدثة ،اذا لا تتم مظاهر السيادة في الدولة الا بأنشاء الجهاز القضائي ، و تنظيم السلطة القضائية ، ومنح القضاة ضمانات تكفل لهم ممارسة اختصاصاتهم ، و مباشرة مهامهم ، و تخول للناس ان يتقاضوا امامهم .

تأريخ القضاء في الأسلام:
عرفت جميع الأمم القضاء ،سواء اكانت امم متقدمة متوغلة في البداوة و التخلف لأن الخصومات من لوازم الطبائع الأنسانية ، و المنازعات من سجايا النفوس البشرية ،فلذلك يستلزم تنسيب قضاة يردون الظالمين و يأخذون على ايدي المفسدين ، لكي لا يختل نظام المجتمع و ينتشر الفساد في الأرض ، و تشيع الفواحش و يعم الفوضى في الناس .
و قد عرف العرب قبل بعثة الرسول صلى الله عليه و سلم نظاما للتقاضي و وجد بينهم حكام يحتكم الناس اليهم فكانوا ينصفون المظلومين ، و يردون اليهم حقوقهم ، و كان لكل قبيلة حكام معروفون ، فحكام قبيلة قريش هم : عبدالمطلب ،وابو طالب ، و العاص بن وائل ... و غيرهم ، و حكام قبيلة تميم هم : اكثم بن صيفي و حاجب بن ابي زرارة ... و غيرهم من الحكام في قبائل اخرى ..و كان العرب يتحكمون احياناً الى العرافين او الكهنة ،معتقدين انهم يعلمون بواطن الأمور عن طريقة الفراسة و القرائن ،او عن طريقة الأستعانة بالجن .و في بداية عصر النبوة لم يكن في الدولة الأسلامية قضاة سوى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، لأن مساحة الدولة كانت صغيرة ، و الناس لا يزالون على بساطتهم ، و كان الرسول صلى الله عليه و سلم اضافة الى انه كان رئيساً للدولة الأسلامية ، و نبياً عن ربه ، كان قاضيا بين افراد الدولة ، قال تعالى ((إنا انزلنا اِلَيلكَ الكِتابَ بِالحَقِ لِتَحكُمَ بينَ الناسِ بمِا اراكَ الله )) (7)

و قال ايضاً (فأحكُم بَينَهُم بمِا اُنزل الله ) (8) ، و امر الله و المؤمنين بأن يتقاضوا الى رسول الله و يحتكموا اليه ، و جعل ذلك دليلاً على الأيمان ، قال تعالى (فأن تَنازَعتُم في شَيءٍ فردُّوهُ إلى الله و الرَّسول إن كُنتُم تُؤمِنوُنَ باللهِ و اليَوم الآخر ) (9)

وقد وضع النبي صلى الله عليه و سلم القواعد التي يسير عليها القضاة في احكامهم ،و رسم المعالم التي توضح كيفية الحكم بين الناس ، وبين الأسس التي تحقق بها العدالة في المجتمعات و الشعوب ، حتى اصبح سبيل العدل ظاهراً جلياً ، و أسست المباديء القضائية ثابتة راسخة ، و اصبحت دعائم الحكم متميزة شامخاً ، قال صلى الله عليه و سلم (لا يقضينَّ حاكمٌ بينَ اثنينِ و هُوَ غَضبان ) (10) و قال ايضاً ( لو يعطي الناس بدعواهم لأدعى الناس دماء رجالٍ و اموالهم و لكن البينة على المدعي و اليمين على من انكر ) (11)
و ارشد النبي (صلى الله عليه و سلم) علياً بن ابي طالب حين وجهه الى اليمن قائلاً: (يا على اذا جلس اليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فأنك اذا فعلت ذلك تبين لك القضاء)(12)
و قد جوَّز النبي (صلى الله عليه و سلم) للقاضي ان يجتهد رأيه اذا لم يجد نصاً يطبق على القضية المعروضة حتى يصل الى الحل يتفق و المباديء الشرعية العامة ، وجعل له على خطئه في الأجتهاد أجراً واحداً اذا كان يقصد معرفة الحق و اتّباعه .
و في عهد الخلفاء الراشدين سار الخلفاء على ماكان عليه في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم ففي خلافة ابي بكر (رضي الله عنه ) كان الولاة في الأمصار هم القضاة ايضاً و لم يفصل القضاة عن الولاية .
و في خلافة عمر ابن الخطاب (رض) ، حيث كثرت الفتوحات و اتسعت اقليم الدولة ، و زاد العمران بحيث اصبح متعسراً على الخليفة ، او على الوالي ان يجمع اي واحد منهما بين النظر في مصالح الناس ، و بين القضاء ، فلذلك فصل عمر بن الخطاب (رض) القضاء عن الولاية ، و عين قضاة خصّوا بالفصل في المنازعات وفوضهم في الحكم بين الناس ،و سموا بأسم القضاة ، و كانت تصرف لهم ارزاقهم من بيت المال .(13)

اهداف القضاء في الأسلام ، و اسس تحقيقها:

بما ان القضاء هو الميزان الذي به يتحقق العدل و تحفظ الحقوق كما مر سابقا فهو من اقوى الفرائض ، و اشرف العبادات بعد الأيمان بالله تعالى و يمكن اجمال الأهداف العامة لأقامة القضاء ماياتي: (14)
1-رفع التهار ج ، ورد النوائب ،و صيانة مصالح المجتمع .
2- بث الطمأنينة في النفوس .
3- توصيل الحقوق الى اصحابها.
4- وضع الأمور في نصابها .
5- نشر العدل و الأمن في المجتمع .
6- دفع الجور بين العباد ،و الضرب على ايدي المفسدين .
7- قطع الخصومات و القضاء على المنازعات .
8- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .

ان تحقيق هذه الأهداف لا يتأتى الا بتوافر خمسة اسس هي :
1- تولية القاضي الذي استكمل شروط القضاء ، و يصلح لهذا العمل .
2- الحكم بالعدل و الاحسان .
3- اسغلال القضاء و عدم تدخل السلطة التنفيذية في ممارسة اعماله .
4- اظهار معاونة رئيس الدولة و اعضاء السلطة التنفيذية للقاضي قولاً و فعلاً و منع كل من يحاول التدخل في شؤونه.
5- يجب على ولي الأمر أن لا يألوا جهداً في مراقبة القضاة و الا يدخر و سعا في تفقد احوالهم ، و الأشراف عليهم دائماً ، و لكن في حدود احكام الشريعة بحيث لا تؤثر هذه المراقبة في استغلال القضاء و عمل القاضي .

المصادر و الهوامش :
1. نظام القضاء الأسلامي : د. اسماعيل ابراهيم البدوي ، ص11.
2. الدرر المنظومات في الأقضية والحكومات / كتاب ادب القضاء : د. محمد
مصطفى الزحيلي ص36.
3. تأريخ قضاة الأندلس / كتاب المرتبة العليا ... ابو الحسن الأندلسي ص2.
4. الفتاوي الكبرى الفقهية : شهاب الدين احمد بن محمد بن حجر الهيثمي /ت 995 هـ 4/297
5. سيرة ابن هشام : ابو محمد عبدالملك بن هشام ت 218 هـ: 2/119.
6. العمل القضائي في القانون المقارن ..د. القطب محمد طبلية /ص92.
7. النساء 105.
8. المائدة 48.
9. النساء 59.
10. حديث صحيح رواه الجماعة /نيل الأوطار للشوكاني ، 8/308.
11. حديث صحيح اخرجه البهيقي /المصدر نفسه 8/344.
12. رواه الترمذي و ابو داود / المصدر نفسه 8/343.
13. نظام القضاء الأسلامي : د. اسماعيل ابراهيم البدوي ص 149 ، مصدر رئيس.
14. المصدر نفسه .

التعليق
 
اسئلةء اجوبة